|

عبد الحميد الأنصاري يكتب .. "عودة الجواري"...ليست حلاً


ما كنت أتصور أن يوجد بيننا - في زمن الحريات وحقوق الإنسان واحترام آدميته وزمن الربيع العربي- من يدعو إلى إحياء "نظام الجواري"، حتى قرأت في إحدى الصحف أن ناشطة سياسية
واجتماعية ومرشحة سابقة لمجلس الأمة الكويتي، طالبت بافتتاح مكاتب لاستقدام الجواري على غرار مكاتب استقدام الخدم، وذلك ضمن ضوابط قانونية معينة، منها: أن تتراوح أعمارهن بين 15 و25 عاماً، وأن يدفع الراغب في امتلاك الجارية 2500 دينار ثمناً لها ويدفع للمكتب 500 دينار، وأن يكون راتبها الشهري 50 ديناراً ويوضع في حسابها 2000 دينار لا تستحقها إلا بعد 5 سنوات من وجودها في عهدة مالكها. ومن حق المواطن أن يمتلك ما يشاء من الجواري ولا يشترط الدخول بهن عقوداً من أي نوع لأنها حُلت بملك اليمين، كما لا يعتبر رضاها ضرورياً لأنها من جملة أملاكه!

لكن لماذا تنشط الداعية الكويتية في المطالبة بعودة نظام الجواري؟! تقول: إن هدفها نبيل، وهو حماية الرجال من الانحراف والوقوع في الزنا والأمراض وأطفال الزنا، كما جاء في حديثها: "أن كويتيين كثيرين يلجؤون إلى مصاحبة النساء كخليلات لهم، ما يؤدي إلى المعاصي ونقل الأمراض وإنجاب أطفال الزنا، وهذا أمر يحتاج إلى معالجة لا تخالف الدين الإسلامي وتقي الأبناء من الضياع في هاوية الزنا والانحرافات". حسناً، لكن من أين تستورد المكاتب المقترحة تلك الجواري؟! وهل أعدادهن تكفي لتلبية تزايد الاحتياجات المتوقعة؟! تقول الناشطة ببساطة: "نعم بالإمكان استقدامهن من سبايا الروس لدى الشيشان أو من روسيا ودول أخرى"! لكن السؤال الذي تتهرب منه الناشطة: هل حقاً هناك سبايا لدى الشيشان؟ وما عددهن؟ ثم هل ما يحصل في تلك المناطق -عبر عصابات المافيا- من التجارة في الرقيق الأبيض بهدف البغاء المنظم، ينطبق عليه وصف "السبايا"؟ وفضلاً عن أن المجتمع الدولي كله يحارب التجارة في البشر، ودولنا جميعا قد وقّعت وتعهّدت بتحريم هذه التجارة المنحطة، فكيف نسن قانوناً لتنظيم تجارة الجواري؟!


المدهش أن هذه الناشطة السياسية والاجتماعية لا تبالي بكافة المواثيق والاتفاقيات والتشريعات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وكرامته، والتي أجمعت البشرية -في عصرنا- على احترامها، وحجتها الوحيدة أن الإسلام أباح اتخاذ الجاريات لـ"الوناسة"، بل تتقمص شخصية المفتي وتفتي بأن امتلاك الجارية حلال استناداً إلى الآية الكريمة "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم"، فلا تميز بين أمر واقع يجب تنظيمه ونظام انتهى تطالب بعودته في غير زمنه، كما لا تبالي بموقف الزوجات من اتخاذ أزواجهن لجواري تشاركهن حقوق الزوجية، ولا بالآثار الاجتماعية المترتبة على انتشار تجارة الجواري وظهور سوق للنخاسة يبيع الناس فيها ويشترون ويتبادلون الجواري! ولا الآثار الاقتصادية والقانونية المترتبة على كل ذلك. كما لم تسأل نفسها إن كان المجتمع الدولي يقبل التعامل مع دولة تسن قانوناً للاتجار بالبشر!

إن الناشطة -هداها الله تعالى للصواب- بهذه الدعوة، لم تظلم نفسها فحسب، بل ظلمت دينها العظيم، الذي من أولوياته تحرير الإنسان في زمن كان نظام الرق فيه عرفاً ونظاماً اجتماعياً واقتصادياً راسخاً، فشرع بل وتوسع في فتح أبواب العتق، كفارة لذنوبٍ ومعاصٍ يقع فيها المسلم، بل جعل العتق من أعظم القربات إلى الله تعالى. ولم يكتف بذلك بل فرض على الدولة المسلمة تخصيص ميزانية من سهم الزكاة (وفي الرقاب) لشراء الرقيق وتحريرها. ولو سار المسلمون بعد انتهاء عصر الحروب والغزوات، وفق تعاليم القرآن الكريم النهائية، والتي حددت مصير الأسرى والسبايا بأحد أمرين لا ثالث لهما "فإما مناً بعدُ وإما فداء"، فلم يكن أمام الدولة الإسلامية أي خيار آخر، فإما أن تطلق سراحهم من غير مقابل أو تبادل بهم أسرى. لو اتبع المجتمع الإسلامي منهج الإسلام في تحرير العبيد لانتهى الرق نهائياً منذ القرن الأول الهجري، ولما كنا بحاجة للدفاع ضد من يتهمون الإسلام بأنه شرع الرق. إنه خطأ استمر لأسباب اقتصادية واجتماعية، وقام الفقهاء بتقنينه كأمر واقع لابد من تنظيمه ووضع ضوابط له. ولا يُلام الإسلام ولا الفقهاء، بل المجتمع الذي سمح باستمرار نظام الرق فيه.

كما أن الناشطة تظلم المجتمع الكويتي أيضاً، إذ تصور الكويتيين الذكور وكأن لا هم لهم إلا مصاحبة الخليلات، وهي تعمم الحكم بقولها: "إن كويتيين كثيرين يلجؤون إلى الخليلات"، وهذا زعم لا سند له، وقذف واتهام بلا بيّنة. هناك قلة موجودة في كافة المجتمعات العربية والإسلامية قد يكون هذا شأنها، وهؤلاء لن يسعفهم ولن يرضيهم بل ولا يقنعهم نظام الجواري المقترح، ولا زواج المتعة أو المسيار أو المسفار... لأنها في النهاية تتضمن قيوداً وحقوقاً ومسؤوليات، وهم لا يريدون أي قيد أو مسؤولية!

فلا أدري من هم الفئة المستهدفة من إحياء نظام الجواري، وهل تظن الناشطة المحترمة أن في هذا النظام الحل الشافي للمشكلة الجنسية؟ هذا وهمٌ من ضمن الأوهام السائدة لدى البعض، مثله مثل من ظن أن في "زواج المتعة" حلاً لمشكلة البغاء، لكن اسألوا من خبروا زواج المتعة... هل انتهى البغاء في مجتمعاتهم؟ هل قلّت نسبه؟ لا أظن!

وختاماً؛ إذا تركنا الناشطة لأوهامها، وقد نلتمس لها عذراً في فهمها الديني، لكن ما حجةُ بعض المتفقهين الذين لا يزالون يرون بل ويفتون بإباحة الجواري، بحجة أن القرآن لم يحرمها وإنما اشترط الجهاد والغزو لاتخاذ الجواري والحصول على الغنائم. بطبيعة الحال: هؤلاء قلة قليلة محسوبون على التيار السلفي يعتقدون أن تجارة الجواري والحصول على الغنائم فيهما الحل للمشكل الاقتصادي ومعالجة الفقر، لكن مما يهوّن الأمر أن رأيهم لا يمثل رأي جمهور الفقهاء ولا المؤسسات ولا المجامع الدينية المعتمدة، هو رأي منبوذ ومعزول، وإن تناقلته المواقع الإلكترونية حباً للإثارة والتشويق والطرافة.

هل أعجبك هذا؟

رابط html مباشر:



التعليقات:

تعليقات (فيس بوك)
0 تعليقات (أنا قبطي)

0 التعليقات :



الأرشيف الأسبوعي

مواقع النشر الإجتماعية:

تابع الأخبار عبر البريد الإلكتروني







إعلانات ومواقع صديقة:


إحداثيات أناقبطي..

التعليقات الأخيرة

أحدث الإضافات